ميرزا محمد حسن الآشتياني
54
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
إلى نفس الشكّ ( ثمّ ) إنّ من العجب ما حكي عن بعض السادة الأجلّة من أفاضل معاصرينا في هذا المقام حيث زعم أن قوله عليه السلام كلّ شيء لك حلال في الرواية بقرينة الأمثلة المذكورة فيها في مقام إعطاء الضّابطة والقاعدة للبناء على سببيّة الموجود المردد بين السبب وغيره نظير قوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ الدالّ على تشريع سببيّة البيع في الشرع إذ لا فرق بين قوله تعالى وقوله عليه السلام كلّ شيء لك حلال إلّا من حيث الموضوع فإن الآية مسوقة لبيان سببيّة خصوص البيع والرواية مسوقة لبيان سببيّة كلّ شيء شكّ في سببيّته في الشبهة الموضوعيّة وإلّا فالمحمول في الموضعين هو التحليل وقد أسري هذا المعنى في باب الشّكّ في وجود شرط الصّلاة من جهة الشكّ في لباس المصلّي من حيث إنه ممّا يجوز الصّلاة فيه أولا وأنت خبير بأنّ المعنى المذكور مضافا إلى كونه موجبا لهدم بناء الفقه والقواعد المسلمة عند الفقهاء في كمال البعد من الرواية وأعجب منه ما في كلام بعض المعاصرين في تقريب جعل ما في الرواية مثالا للكليّة المذكورة فيها وكون الحلّيّة فيها مستندة إلى نفس الشك حيث قال يمكن أن يقال إن إجراء أصالة الإباحة في الثوب المشترى بملاحظة الشك في أن بائع الثوب هل كان بيعه حلالا باحتمال كونه مالكا أو مأذونا منه أو كان حراما باحتمال كونه سارقا وغاصبا فيشكّ في حلّيّة الشراء منه وحرمته فالشراء حلال حتى تعرف أنه سرقة وغصب وكذا الكلام في شراء المملوك فمع قطع النظر عن اليد هذا الشراء محتمل الحلّية والحرمة وإذا جاء أدلّة النقل والانتقال فيما حلّ شراؤه انقطع أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه وأصالة الحرّيّة وكذا المرأة لها عنوانا يجوز نكاح أحد العنوانين وهي التي ليس بينها وبين الرجل نسب ورضاع وتحرم نكاح العنوان الآخر فإذا شككنا في امرأة خاصّة أنها من أيّ العنوانين فيحلّ نكاحها إلى أن يعلم الحرمة ثمّ إن المرأة المفروضة تولّدت من امرأة قطعا وارتضعت من امرأة قطعا ولا يمكن تعيين أنّ الوالدة أمّ أو أخت للرجل أو أجنبيّة بالأصل وكذا المرضعة سلّمنا جريان الأصل غاية الأمر تطابق الأصلين ثم إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين الأوّلين وأصالة عدم تأثير العقد إن كان بعد ملاحظة عمومات البيع وعمومات النكاح فلا وجه له وإن كان قبل ملاحظتها ففي كون الحرمة هي الأصل الأوّلي تأمّل واضح بل الأصل الأوّلي هي الحلّيّة والحرمة إنما نشأت من أصل موضوعيّ فتدبّر جدّا انتهى كلامه وفيه كما ترى أنظار ظاهرة لمن كان له أنس بكلمات شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره ومطالبه [ في الإشارة إلى أنظار متعلّقة بكلام بعض المعاصر ] بل بكلمات القوم أيضا فلا فائدة كثيرة مهمّة في إيرادها إلّا أنه لا بأس بالإشارة إليها لئلا يقع في الوهم بعض أوائل الطلبة ( فنقول ) أوّلا إن بيع مال الغير من حيث هو عقد لا حرمة فيه أصلا حتى مع العلم بالغصبيّة فإنّه ليس تصرّفا في ملك الغير وإنما هو تصرّف في جوارح البائع فأين حرمة بيع مال الغير حتى يشكّ في الحرمة عند الشكّ في عقد البيع نعم التصرّف في الثمن والمثمن وترتيب الآثار على بيع مال الغير حرام من حيث كونه تصرّفا في ملك الغير والشكّ بهذه الملاحظة عند الشكّ في المالكيّة ينشأ من الشكّ في سببيّة العقد ولم يقل أحد إن الأصل السببيّة والصحّة في المعاملات فمرجع الحكم بالحلّيّة في الفرض إلى الحكم بتحقّق الوضع لا التكليف وهو كما ترى نعم لو فرض في مقام كون إيقاع نفس العقد من المحرّمات مع قطع النظر عن ترتيب الآثار بالحرمة النفسيّة كما قيل في باب الرباء وإيقاع العقد على الأمّ فشكّ في حرمته بهذا المعنى كان مقتضى الأصل الأوّلي الحليّة والفساد وحرمة ترتب الآثار لكنّه لا تعلّق له بالمقام بقي هنا وجهان آخران لحرمة إيقاع العقد أيضا أحدهما حرمته من حيث الإعانة على الإثم فيما كان سببا ولو بالسببيّة الناقصة لترتّب الآثار فيما كان فاسدا ثانيهما حرمته من حيث التشريع أمّا الأول فلا يجري الأصل فيه لأنه تابع لحرمة ترتيب الآثار والأصل الحرمة كما عرفت والثاني لا يتصوّر فيه شكّ حتّى يرجع فيه إلى الأصل لأنّه مع الشكّ في سببيّة العقد كان إيجاده بعنوان السببيّة على تقدير تصوّر التشريع القصدي تشريعا محرّما قطعا فلا شكّ فيه حتّى يرجع إلى أصالة الحلّيّة هذا مضافا إلى أن أصالة عدم السببيّة تثبت الموضوع في مرحلة الظاهر فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّة فإن شئت قلت إن الحرمة التشريعيّة كما ثبت قطعا مع القطع بعدم السببيّة كذلك تثبت قطعا مع الشكّ في السببيّة فافهم ومنه يظهر أن قوله وإذا جاء أدلة النقل والانتقال إلى آخره لا محصّل له لأن الشكّ في الحلّيّة نشأت من الشكّ في الملكيّة فلا يجوز الحكم بالحلّيّة بعد الحكم بعدم الملكيّة حتى يجيء أدلة النقل والانتقال وبعبارة أخرى الشكّ إنّما هو في موضوع دليل النقل فإذا كان مقتضى الأصل عدم تحقّق الموضوع فأين دليل النقل والانتقال هذا وثانيا سلّمنا حرمته كما توهّمه بعض لكن يتعيّن في المقام الحكم بالحرمة أيضا من حيث إن الشك فيه كالشك في حرمة ترتيب الآثار مسبّب عن الشك في الملكيّة فإذا حكم بعدمها بمقتضى الأصل الموضوعي فلا يبقى محل للرجوع إلى الأصل الحكمي فالشكّ في حرمة العقد في الفرض على هذا القول أيضا لا يوجب الرجوع إلى أصالة الحليّة وأمّا ما ذكرناه سابقا من الجمع بين الحكم بحلّيّة إيقاع العقد والحكم بفساده فإنما هو فيما لم يكن الشكّ في الحلّية والحرمة مسبّبا عن الشك في الصحّة والفساد بل من حكم الشارع في نفسه فإنه ربما يكون المعاملة فاسدة ونقطع بأنّ إيقاعها مباح فتدبّر وممّا ذكرنا يظهر أن ما ذكره بقوله وكذا المرأة لها عنوانان لا محصّل له أيضا لأنّ وجود العنوانين للمرأة من حيث تأثير العقد وعدمه لا يجدي فيما إذا شكّ في وجود العنوان المؤثر مع كون الأصل الفساد وعدم تأثير العقد مع قطع النظر عن أصل موضوعيّ يقتضي خلوّ المحلّ عن تأثير